أحمد بن محمد المقري التلمساني
143
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
التسهيل بعد تعقيده مفيدا ، وجعل سرحة شرحه وجنة راقت النواظر توريدا « 1 » ، ملأ الزمان تصانيف ، وأمال عنق الأيام بالتآليف « 2 » ، تخرج به أئمة في هذا الفنّ ، وروّق لهم في عصره منه سلافة الدّن « 3 » ، فلو رآه يونس بن حبيب لكان بغيضا غير مجيب « 4 » ، أو عيسى بن عمر لأصبح من تقصيره وهو محذّر ، أو الخليل لكان بعينه قذاه ، أو سيبويه لما تردى من مسألته الزنبورية برداه ، أو الكسائي لأعراه حلة جاهه عند الرشيد « 5 » وأناسه ، أو الفرّاء لفرّ منه ولم يقتسم ولدا المأمون تقديم مداسه ، أو اليزيدي لما ظهر نقصه من مكامنه ، أو الأخفش لأخفى جملة من محاسنه ، أو أبو عبيدة لما تركه ينصب لشعب الشعوبية ، أو أبو عمرو لشغله بتحقيق اسمه دون التعلق بعربية ، أو السكري لما راق كلامه في المعاني ولا حلا ، أو المازني لما زانه قوله : « إن مصابكم رجلا » أو قطرب لما دبّ في العربية ولا درج ، أو ثعلب لاستكن بمكره في وكره ولما خرج ، أو المبرد لأصبحت كواه « 6 » مقترة ، أو الزجاج لأمست قواريره مكسرة ، أو ابن الوزان لعدم نقده ، أو الثمانيني لما تجاوز حدّه ، أو ابن باب لعلم أن قياسه ما اطرد ، أو ابن دريد ما بلع « 7 » ريقه ولا ازدرد ، أو ابن قتيبة لأضاع رحله ، أو ابن السراج لمشى « 8 » إذ رأى وحله ، أو ابن الخشاب لأضرم فيه نارا ، ولم يجد معه نورا ، أو ابن الخباز لما سجّر له تنورا ، أو ابن القوّاس لما أغرق في نزعه ، أو ابن يعيش لأوقعه في نزعه ، أو ابن خروف لما وجد له مرعى ، أو ابن إياز لما وجد لأوزاره وقعا ، أو ابن الطراوة لم يكن نحوه طريا ، أو الدباج « 9 » لكان من جلته « 10 » الرائقة عريّا ، وعلى الجملة فكان إمام النحاة في عصره شرقا وغربا ، وفريد هذا الفن الفذ بعدا وقربا ، وفيه قلت : [ بحر السريع ]
--> ( 1 ) السرحة : واحدة السرح ، وهو شجر عظيم طويل . والوجنة : الخد . ( 2 ) في ب : « التواليف » . ( 3 ) روّق الشراب : صفاه . والسلافة : أفضل الخمر . والدن : وعاء ضخم للخمر . ( 4 ) يونس بن حبيب الضبي الولاء البصري أبو عبد الرحمن ، بارع في النحو ، سمع من العرب ، وروى عن سيبويه ( بغية الوعاة ج 2 ص 365 ) . ( 5 ) الخليل : هو الخليل بن أحمد الفراهيدي ، صاحب كتاب العين ( انظر بغية الوعاة 1 / 557 ) . ( 6 ) في ب : « قواه مقترة » . ( 7 ) في ب : « لما بلع ريقه » . ( 8 ) في ب : « لمشاه . . . » . ( 9 ) في ب ، ه : « ابن الدباج » . ( 10 ) في ب : « حلته الرائقة » .